ابن الجوزي

312

صفة الصفوة

923 - عابد آخر أبو القاسم النصرآباذي قال : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : بقي إبراهيم سنة في البادية ما أكل ولا شرب ولا اشتهى شيئا . فقال : عارضتني نفسي أنّ لي عند اللّه عزّ وجل رتبة فلم أشعر أن كلّمني رجل عن يميني فقال : يا إبراهيم ترائي اللّه في سرّك ؟ فنظرت إليه فقلت : قد كان ذلك . فقال : بحمد اللّه كم لي ههنا لم آكل ولم أشرب ولم أشته شيئا وأنا زمن « 1 » مطروح ؟ قلت : اللّه أعلم . قال : ثمانين يوما وأنا أستحي من اللّه عزّ وجل أن يقع لي خاطرك ، ولو أقسمت على اللّه عزّ وجل أن يجعل هذا الشجر ذهبا لجعله . فكانت بركة رؤيته تنبيها لي ورجوعا إلى حالتي الأولى . 924 - عابد آخر حجازي أبو عبد الرحمن المغازلي قال : دخلت على رجل مبتلى بالحجاز فقلت : كيف تجدك ؟ قال : أجد عافيته أكثر مما ابتلاني به ، وأجد نعمه عليّ أكثر من أن أحصيها . قلت : أتجد لما أنت فيه ألما شديدا ؟ فبكى ثم قال : سلّي نفسي ألم ما بي : ما وعد عليه سيدي أهل الصبر من كمال الأجور في شدة يوم عسير . قال : ثم غشي عليه . فمكث مليا ثم أفاق فقال : إني لأحسب أنّ لأهل الصبر غدا في القيامة مقاما شريفا لا يتقدّمه من ثواب الأعمال شيء ، إلا ما كان من الرّضا عن اللّه تعالى . 925 - عابد آخر الخلدي قال : خرجت سنة من السنين إلى البادية فبقيت أربعة وعشرين يوما لم أطعم فيها طعاما ، فلما كان بعد ذلك رأيت كوخا وفيه غلام فقصدت الكوخ فرأيت الغلام قائما يصلي فقلت في نفسي : بالعشيّ يجيء إلى هذا طعام فآكل معه . فبقيت تلك الليلة والغد وبعد غد ، ثلاثة أيام لم يجئه أحد بطعام ولا رأيت أحدا . فقلت : هذا شيطان ليس هذا من الناس . فتركته وانصرفت . فلما كان بعد أشهر ،

--> ( 1 ) أي مصاب بعاهة .